محمد متولي الشعراوي
5907
تفسير الشعراوى
ولذلك حينما أراد اللّه - سبحانه وتعالى - أن يقصّ علينا مراحل الإدراك في النفس الإنسانية ؛ ليربى الإنسان معلوماته ، قال الحق سبحانه : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 ) [ النحل ] لذلك يقال : « كما ولدته أمه » ، أي : لم يعط القدرة على استخدام حواسّه بعد ، ثم يجعل له الحق سبحانه الحواس ، ويجعله قادرا على استخدامها . ولم يذكر بقية الحواس ، بل جاء بالسيدين ، وهما السمع والبصر ؛ لأن آيات الكون تحتاج إلى الرؤية ، وإبلاغ الرسل يحتاج للسماع ، وهما أهم آلتين في البلاغ ، فأنت ترى بالعين آيات الكون ومعجزات الرسل ، وتسمع البلاغ بمنهج اللّه سبحانه وتعالى من الرسل . وقد لفتنا الإمام علي بن أبي طالب - رضى اللّه عنه - إلى العجائب فقال : « اعجبوا لهذا الإنسان ، ينظر بشحم ، ويتكلم بلحم ، ويسمع بعظم ، ويتنفس من خرم » « 1 » . فالصوت يطرق عظمة الأذن ، ويرنّ على طبلتها ، ونرى بشحمة « 2 » العين ، وننطق بلحمة اللسان . وأضاف البعض : « ونشمّ بغضروف ، ونلمس بجلد ، ونفكر بعجين » . فالإنسان يولد وكأن مخه قطعة من العجين التي تعمل في استقبال المعلومات من الكون وتخزينها فيه ، وهي التي ستكون ركيزة لتشكيل الفؤاد من بعد ذلك .
--> ( 1 ) ذكره الشريف الرضى في كتابه « نهج البلاغة » ( 4 / 4 ) طبعة مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت . ( 2 ) شحمة العين : مقلتها ، وقيل : حدقتها أو ما تحت الحدقة . أما شحمة الأذن فهو ما لان من أسفلها ، وهو معلّق القرط . [ اللسان : مادة ( شحم ) ] .